مقالات

في بلدٍ يسعى جاهداً للنهوض من أزماته المتتالية، تبدو قضية الاتصالات والإنترنت وكأنها حجر عثرة إضافي في طريق التنمية والتقدم. ففي خضم الحديث عن التحول الرقمي ومواكبة العصر، لا يزال لبنان يعيش واقعاً مراً حيث سرعات الإنترنت المتدنية والأسعار المرتفعة هي القاعدة لا الاستثناء. وفي هذا السياق، يبرز ملف "ستارلينك" كقصة أخرى من قصص الفرص الضائعة، وخيبة الأمل المتكررة من قبل المواطنين تجاه حكومتهم.
لقد تداولت الأنباء، قبل فترة ليست ببعيدة، عن سعي وزارة الاتصالات اللبنانية الجاد لإدخال خدمة "ستارلينك" إلى لبنان. هذا الخبر، الذي بث بصيص أمل في نفوس الكثيرين، لا سيما أصحاب الأعمال والطلاب وكل من يعتمد على الإنترنت في حياته اليومية، كان بمثابة بارقة ضوء في نفق الاتصالات المظلم. فـ"ستارلينك"، المعروفة بسرعاتها العالية واتصالها المستقر، كانت لتمثل نقلة نوعية حقيقية في قطاع الإنترنت اللبناني، لتنهي عهد "الإنترنت المشترك" وسرعات الـ 2 ميغابت في التي عفا عليها الزمن.
ولكن، وكما جرت العادة في لبنان، لم يلبث هذا الأمل أن تبدد. فسرعان ما بدأت تتردد الأقاويل، بأن قوى داخلية، وتحديداً من القطاع الخاص المتنفذ، وبعض الأحزاب ذات النفوذ، قد مارست ضغوطاً هائلة للحيلولة دون دخول "ستارلينك" إلى السوق اللبناني. الأسباب المعلنة، وغير المعلنة، تتراوح بين حماية المصالح القائمة التي تستفيد من الوضع الراهن، والخوف من المنافسة التي قد تحد من احتكارها للسوق، وصولاً إلى اعتبارات سياسية لا تمت للمصلحة العامة بصلة.
وفي هذا الصدد، أثيرت مخاوف من قبل بعض الجهات السياسية في لبنان بأن "ستارلينك" قد يشكل "تهديداً سيبرانياً" على البلاد. فالتخوف من عدم القدرة على مراقبة تدفق البيانات، أو مخاوف تتعلق بالسيادة الرقمية، كانت من بين الحجج التي سيقت لعرقلة هذا المشروع. لكن، إذا سلمنا جدلاً بأن هذا التخوف له أساس من الصحة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل مصادر الإنترنت الحالية في لبنان آمنة؟
والأدهى من ذلك، أن مجلس الوزراء، الذي يُفترض أن يكون المظلة العليا لاتخاذ القرارات التي تصب في مصلحة الوطن والمواطن، بدا وكأنه في منأى عن هذا الملف تماماً، أو أنه تراجع عن دوره في حسم هذا الجدل لصالح المواطنين. هذا التراجع، أو الانسحاب من المشهد، يعمق الشعور بخيبة الأمل ويؤكد من جديد أن القرارات المصيرية في لبنان غالباً ما تكون رهينة لتوازنات القوى والمصالح، لا لرؤية استراتيجية واضحة تخدم المستقبل.
إننا في القرن الحادي والعشرين، والعالم يتسابق نحو التطور التكنولوجي والاتصالات السريعة التي تعتبر ركيزة أساسية للاقتصاد الرقمي والإنتاجية. فكيف يمكن لبلد أن يطمح إلى النمو والازدهار، بينما مواطنوه لا يزالون يعتمدون على سرعات إنترنت لا تكاد تكفي لتصفح المواقع الأساسية؟ كيف يمكن للأعمال أن تزدهر، وللطلاب أن يتابعوا تعليمهم عن بعد بفاعلية، وللمبدعين أن يبتكروا، وللشباب أن يتنافسوا عالمياً، في ظل بنية تحتية رقمية بالغة الضعف؟
إن قادة لبنان، مرة أخرى، يخيبون آمال مواطنيهم. يبدو أنهم لا يستوعبون حجم الأهمية القصوى لامتلاك إنترنت سريع وغير مشترك لتحقيق الإنتاجية والتقدم. في حين أن العالم يتحدث عن الجيل الخامس والسادس من الاتصالات، لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة خدمات إنترنت لا ترقى إلى مستوى الطموح ولا تلبي أدنى متطلبات العصر.
إن هذه الحادثة ليست مجرد تأجيل لخدمة إنترنت، بل هي رمز لمأساة أعمق: مأساة بلد محكوم بالمصالح الضيقة، وغير قادر على اتخاذ قرارات جريئة تصب في مصلحة شعبه. لبنان، يا للحسرة، بلد يمتلك طاقات بشرية هائلة، ولكنها مكبلة بقيود بنية تحتية متقادمة وقيادات غير قادرة على رؤية أبعد من مصالحها الآنية. وهذا ما يجعلنا نشعر بحزن عميق على واقعنا ومستقبل أجيالنا.



