مقالات

لم تعُد الدولة "مأزومة" كما بعد الأزمة، وتعكف منذ مدّة على تحسين إيراداتها منذ اتخاذ القرار برفع الدعم، ثمّ إطلاق منصّة "صيرفة"، واعتماد سعرها مرجعاً لاحتساب رسوم الخدمات التي تقدّمها الدولة وتتمسّك بها على الرغم من رداءتها.
في المقابل تُهمل الضرائب على أنواعها، ولا توليها الاهتمام المطلوب. وهذا ما يُفتّق في الأذهان سؤالاً مفاده: أهذا هو الإصلاح المنشود؟ الجواب: قطعاً لا. فلا يكفي أن ترفع الدولة من إيراداتها فحسب. ومن أجل مقاربة طريقة الحصول عليها لا بدّ من الدخول في بنية إيراداتها: هل هي من الرسوم أم من الضرائب؟ هل تلبّي شروط الإصلاح أم هي لمزيد من تقطيع الوقت و"الترقيع"؟
"الترقيع" مستمرّ
يوجد في علم الماليّة العامّة اختلافٌ بين الرسم والضريبة.
أمّا في لبنان فالأمر معكوس. إذ تركّز الدولة على فرض رسوم على هذه الخدمات وترفعها إلى أقصى ما يمكن لرفد ميزانيّاتها بالأموال، وذلك على حساب الضرائب التي هي غالباً ما تكون مخصّصة للتخطيط، وذلك بخلاف التوجّهات العامّة المعروفة عن صندوق النقد الدولي وعن طموحات الدول المانحة، بل بخلاف توجّهات الدول الحديثة. وهذا إذا دلّ على شيء، فهو يدلّ على التالي:
1- ضعف الدولة في تحديث بياناتها الضريبية نتيجة الفوضى والفساد المستشريَيْن في كلّ الإدارات، ونتيجة المحسوبيّات والمحاصصة المدفوعة بالانقسام السياسي حول كلّ الملفّات أفقياً وعمودياً.
2- غياب الحماسة لدى الكادر الوظيفي في القطاع العامّ للعمل، مع تحوّله إلى "عبء" بحيث باتت وظيفته المطالبة بزيادة الرواتب من دون إظهار أيّ إنتاجيّة تُذكر.
3- ارتفاع منسوب "اقتصاد الكاش" (يفوق 50% من حجم الاقتصاد) الذي يمنع أجهزة الدولة من تحديد المداخيل الحقيقية، المباشرة وغير المباشرة، وربّما السلطة لا تريد "فضح" أزلامها وجماعاتها المنتفعة من التهرّب الضريبي.
4- تهافت السلطة بالشكل الذي نراه على تحصيل الإيرادات بشكل "سريع" و"عشوائي".
لهذا تعوّل على الرسوم بدل الضرائب، وهذا الأمر بدوره مؤشّر ساطع إلى غياب التخطيط، بل غياب كلّي للإصلاح الذي تطالبنا به جميع الهيئات الدولية والجهات المانحة، بدءاً من صندوق النقد الدولي ووصولاً إلى أصغر دولة مانحة في أبعد قطر من أقطار العالم.
الرسوم تتضاعف وترهق المواطنين
خلال الجلسة التي أقرّت فيها الحكومة الزيادات للقطاع العام، أجّلت الحكومة بتّ ملفّ الاتصالات إلى أجل غير معروف، لكن على ما يبدو لا مفرّ من إقرار هذه الزيادات، خصوصاً أنّ الاعتمادات التي فتحتها الحكومة من خارج الموازنة لا تكفي لسدّ الزيادة في الرواتب لأكثر من 3 إلى 4 أشهر فقط، بحسب مصادر نيابية شاركت في الجلسة وأسرّت بهذه المعلومات لـ"أساس".
وفق الدراسة التي يضعها وزير الاتصالات، سيوفّر رفع تعرفة التخابر الأرضي والإنترنت إيرادات للدولة بنحو 15 تريليون ليرة لبنانية سنوياً (قرابة 175 مليون دولار على سعر منصّة "صيرفة").
يقول المدير العام لهيئة أوجيرو عماد كريدية لـ"أساس" إنّ "عدد الهواتف الأرضية العاملة اليوم هو قرابة 814 ألفاً". ونتيجة لذلك وبحسبة بسيطة، يمكن الاستدلال من هذا الرقم إلى أنّ هذه الهواتف ستدرّ على خزينة الدولة من بدل الاشتركات فقط، ومن دون الخوض برسوم التخابر، ما يقارب 163 مليار ليرة.
رسوم الأمن العامّ ترتفع 28 ضعفاً
أمّا رسوم الأمن العام فتلك قصّة أخرى. ففي الوقت المستقطَع بين جلسة الحكومة الأخيرة والحديث عن طرح مسوّدة الموازنة أعلنت مديرية الأمن العامّ بقرار منها أو ربّما بإيعاز من الحكومة (غير معروف)، رفع الرسوم التي تتقاضاها عن الخدمات التي تقدّمها، مقترفة بذلك الخطأ نفسه.
رفع الأمن العام رسومه بنحو 28 ضعفاً، من غير أن يحتسب رسومه نسبة إلى الحدّ الأدنى للأجور، بل اقتطعها بالنسبة والتناسب مع سعر صرف الدولار الحالي، ومع ما كان يتقاضاه قبل الأزمة.
على سبيل المثال، رُفعت رسوم الحصول على جواز سفر لخمس سنوات 6 أضعاف من 1 مليون إلى 6 ملايين ليرة، بينما رُفع رسم الجواز لعشر سنوات 5 أضعاف من 2 مليون إلى 10 ملايين ليرة.
أمّا رسوم الإقامات بكلّ فئاتها، فارتفعت بنحو 40 ضعفاً، وارتفعت رسوم الإقامة للعمّال المصريين 65 ضعفاً، وإقامة الطلاب الأجانب 20 ضعفاً. ارتفعت رسوم نقل الكفالة 40 ضعفاً، ورسم الإقامة للّبناني الذي يحمل جنسية أجنبية 20 ضعفاً… وهذا كلّه يشير إلى أنّ الهدف ليس تعديل الأسعار لتتماشى مع التضخّم، وإنّما للحصول على أكبر قدر ممكن من الأموال، ومن دون أيّ مقاربة علمية واقعية منصفة.
يشي كلّ هذا بأنّ تسيير أمور الدولة اليوم يعتمد على الترقيع. بل يعتمد على تحصيل أكبر قدر من الإيرادات بلا أيّ أفق عمليّ قادر على النهوض بالاقتصاد مجدّداً من خلال خطط طويلة الأجل وفعّالة… ثمّ تأتي السلطة لتحدّثنا عن الإصلاح!
عماد الشدياق - اساس ميديا



