مقالات

ما الذي حصل في اقل من 24 ساعة لينقلب مشهد مناقشة اللجان النيابية لمشروع قانون «الكابيتال كونت رول» من انغماس نيابي جامع بدرسه مادة مادة والشروع باجراء تعديلات اساسية عليه، الى فرملته والتوقف عن التعاطي معه حتى اشعار آخر؟
\n
في الظاهر، يبدو ان «خطة التعافي» الاقتصادي الحكومية التي جرى تسريبها اول من امس، وما تضمنته من بنود خطرة على مصير حقوق المودعين، هي السبب الاساسي والمباشر لتبدل مواقف النواب او توقفهم عن استكمال مناقشة القانون. لكن في الجوهر يبدو ان هناك «قطبة مخفية» وراء هذا المشهد الانقلابي في البرلمان بين يوم وآخر.
ما هي هذه القطبة؟ لا احد من النواب تحدث او افصح عنها مباشرة، لكن المؤكد ان تسريب خطة الحكومة لـ «التعافي الاقتصادي» لم يكن بريئا، كما ان الجهات التي حرصت على التسريب بقيت مجهولة او مجهّلة.
\n
ووفقا لآراء معظم النواب، فان الصيغة التي سرّبت، والتي تضمنت بندا صريحا يمسّ حقوق المودعين وبشطبها من خلال شطب 60 مليار من اموالهم، هي التي قصمت ظهر البعير، وفجّرت الموقف وزادت من الضغوطات والنقمة الشعبية عند المودعين والهيئات النقابية الذين نفذوا امس ايضا اعتصاما على المداخل المؤدية الى المجلس وحاولوا منع وصول النواب الى ساحة النجمة.
لا شك ان «خطة التعافي» هذه تحوّلت الى سلاح اضافي الى جانب مشروع «الكابيتال كونترول» في وجه النواب والقوى والكتل السياسية المنهمكة في اعداد العدّة للمعركة الانتخابية.
\nوفي تقويم سريع، تبدلت آراء بعض هذه الكتل بشكل كلي، فبعد ان كانت منخرطة في مناقشة قانون «الكابيتال كونترول» والسعي الى تعديله، خصوصا لجهة عدم المسّ بحقوق المودعين جاءت خطة التعافي الحكومية لتفرض عنصرا اضافيا ضاغطا وقويا ساهم في تبدل مواقف هذه الكتل بسرعة، واعلانها بل تأكيدها على اولوية الاصلاح وبحث الخطة قبل استكمال مناقشة الكابيتال كونترول.
\nوتقول المعلومات، ان هناك من جاء الى جلسة اللجان المشتركة بموقف مسبق يقضي بالتوقف عن مناقشة «الكابيتال كونترول» الى حين حسم مسألة خطة التعافي، ما يعني عمليا نفض اليد منهما معا الى ما بعد الانتخابات النيابية.
\nوهناك نواب وبينهم نائب رئيس المجلس ايلي الفرزلي وكتلتا «التنمية والتحرير» و»الوفاء للمقاومة» جاؤوا لمتابعة واستكمال ما بدأته اللجان في الجلستين السابقتين لجهة اجراء تعديلات جوهرية واساسية على مشروع قانون الحكومة، تأخذ او ترمي الى ضمان وعدم المس عمليا بحقوق المودعين، وبضبط صلاحيات اللجنة الخاصة كما جرى اول من امس، وزيادة حجم السحوبات الشهرية من الف الى الفي دولار مناصفة بالعملة الصعبة وما يوازيها بالليرة على سعر منصة صيرفة. وهذا الاقتراح كان سيتقدم به احد نواب حزب الله.
\nوتضيف المعلومات، انه بداية لم يحضر العدد الكافي من النواب لاكمال نصاب جلسة اللجان المشتركة، فانتظروا في القاعة العامة «يدردشون» حول مشروع «الكابيتال كونترول» ما يقارب الساعة قبل ان يكتمل النصاب ويشرع النواب في تقديم مداخلات تركز معظمها على موضوع خطة التعافي وتسريبها وخطورة بعض بنودها على المودعين وحقوقهم وغيرها من النقاط.
\n
ولوحظ ان تقاطعا وانسجاما في المواقف حصل بين الاضداد، اي بين كتلتي «التيار الوطني الحر» و»القوات اللبنانية» ومعهم بعض نواب «المستقبل» في رفض استكمال النقاش قبل الاطلاع من الحكومة على خطتها وحقيقة ما تتضمنه من بنود، وشددوا على اولوية بحث الخطة قبل «الكابيتال كونترول». وشاركهم نواب ثنائي «امل» وحزب الله الرأي في وجوب الوقوف على هذا الموضوع والتأكيد على رفض الكثير مما تسرب من الخطة، لكنهم كانوا في الوقت نفسه حريصين على اجراء تعديلات جوهرية على «الكابيتال كونترول» ليتحول عمليا الى قانون يحمي حقوق المودعين ولا يمسّها. وقد طالب النائب حسن فضل الله بوضع واقرار قانون يلزم المصارف باعطاء المودعين اموالهم.
وبعد مداخلات عدد من النواب خرج الفرزلي ليعلن الموقف الذي توصلت اليه اللجان المشتركة، والذي يقضي بطلب توضيح من الحكومة حول «خطة التعافي» التي سربت «لنناقش الامور بصورة سليمة»، مؤكدا ان المجلس لا يمكن ان يفاوض على حقوق المودعين.
\nوعلمت «الديار» ان الفرزلي اتصل اثناء الاجتماع الذي سبق الجلسة بالرئيس نبيه بري ووضعه في الاجواء، وان رئيس المجلس كرر موقفه لجهة حماية اموال الناس وحقوق المودعين التي تبقى المعيار والاولوية في مناقشة «الكابيتال كونترول» وخطة التعافي.
\nوبعد الجلسة اجرى الفرزلي، وفق ما علمت «الديار» ايضا، اتصالا برئيس الحكومة نجيب ميقاتي لاستيضاحه حول النص الذي سرب لخطة التعافي، ثم انتقل للاجتماع به والاطلاع على نص الخطة.
\nوذكرت المعلومات ان ميقاتي نفى ان يكون ما تسرب هو النص الاصلي للخطة، وكرر تأكيده ان الحكومة حريصة على ضمان حقوق المودعين والتزامها المطلق المحافظة عليها لا سيما صغار المودعين. وابلغ الفرزلي ان الخطة تضمن حوالى 85% من الودائع.
وبقيت الامور مفتوحة على كل الاحتمالات، لكن مصدرا نيابيا مطلعا استبعد امكان استكمال واقرار مشروع قانون «الكابيتال كونترول» بكل تعديلاته في اللجان المشتركة، اولا لان هناك كتلا لا تريد استكمال هذا الموضوع قبل الانتخابات، كما ان الوقت لم يعد متاحا، لان الجميع ينصرف اول الشهر المقبل الى المعركة الانتخابية بصورة كلية.
\n
وحول الجهات التي يمكن ان تكون عملت على استثمار تسرّب خطة التعافي الحكومية، رأى المصدر ان التسريب قد يكون حصل من دون خطة متكاملة، وان هناك جهات سياسية سارعت الى الافادة منه لاستثماره، اضاف: ليس هناك دلائل على اتهام جهة معينة، لكن الاصابع تؤشر الى المعارضين للحكومة ولرئيسها، خصوصا ان هناك معركة جديدة اتية بعد الانتخابات على رئاسة الحكومة التي يبدو انها مضمونة حتى الان للرئيس ميقاتي.
مداخلات النواب
وفي الجلسة قدم النائب حسن فضل الله مداخلة نارية مطولة لافتة لقيت تأييدا من ممثلي معظم الكتل النيابية قال فيها: «ان هناك حفلة مزايدات في النقاش والمواقف الاعلامية لاننا في موسم انتخابات، ولا احد يقدم حلولا لكيفية استعادة اموال المودعين، ومعالجة ازمة المواطن في حياته اليومية». ولفت الى «ان البلد مقبل على مزيد من الازمات وان الحكومة بعد اقل من شهر ستتحول الى حكومة تصريف اعمال، والكتل مشغولة في كيفية الحصول على مقعد انتخابي وتطلق خطابات تحريضية لشد العصب».
\nواشار الى ان «كتلة الوفاء للمقاومة كانت اول من سمى مشروع الحكومة «كابيتال فورمات» لاموال المودعين، واصرّت على نص واضح في بداية القانون بعدم المس بحقوق المودعين، وان يكون هناك خطة تعاف واضحة»، وقال: «لا يجوز ترك البلد معلقا على حسابات ضيقة. من سيقول للناس كيف سيتم تأمين القمح والدواء والمشتقات النفطية؟ ومن سيقدم للمواطن الحلول؟ ومن سيفرض على المصارف اعطاء المودعين حقوقهم؟ المسؤول لا يأتي ليطلق خطابات شعبوية انتخابية بل ليقدم حلولا»؟
\nاضاف: «سنخرج من هنا لنسمع تسجيل مواقف للاعلام بينما المواطن والمودع متروكان لمزيد من المزايدات وكيل الاتهامات المتبادلة وتسجيل البطولات الوهمية... بلدنا يغرق اكثر فاكثر بينما اولوية اصحاب الخطاب العالي والنبرة التحريضية هي للصوت الانتخابي». واقترح «ان نخرج الان بقانون نصه واضح يلزم المصارف باعطاء المودعين اموالهم بدل كل هذه الوعود والمزايدات والخطابات».
\nواوضح النائب علي فياض بعد الجلسة «ان حقوق المودعين هو منطلقنا لمناقشة الكابيتال كونترول وخطة التعافي. ان المعيار الحاسم عندنا هو مصالح المودعين وحقوقهم. وبمواجهة استنسابية المصارف واستباحتها للقوانين، وفردانية المصرف المركزي وتسلطه ناقشنا ونناقش الكابيتال كونترول»، واشار الى «انه بعد الكلام عن خطة الحكومة للتعافي، فمن باب اولى مناقشة هذه الخطة قبل قانون الكابيتال كونترول».
وردا على سؤال حول تسريب الخطة قال: «هناك من يريد الانقضاض على الحكومة قبل الكابيتال كونترول... وان الموضوع المعيشي ليس للعب السياسي».
وقال النائب قاسم هاشم «ان الهواجس التي طرحتها كتلة التنمية والتحرير وكثير من الكتل النيابية حول ما وراء بعض الافكار التي تضمنها مشروع الكابيتال كونترول بما يتعلق باموال المودعين كانت في مكانها، وهذا ما كشفته تسريبات خطة التعافي وما تتضمنته لجهة حجم الخسائر وتوزيعها وتحميل المودعين الحصة الكبرى وهذا ما يؤكد النيات الخبيثة والمبيتة ليكون المودعون ضحايا بعض السياسات الخاطئة، والتي يجب الا تمر مهما كانت الذرائع».ورأى «ان اعطاء المصارف صك براءة ومنع اي ملاحقة قضائية انما هي مقدمات للقضاء على حقوق المودعين التي يحفظها الدستور والقانون».
\nوشدد النائب هادي ابو الحسن عن كتلة «اللقاء الديموقراطي» على ضرورة توزيع الخسائر بحيث تتحمل الدولة المسؤولية بالدرجة الاولى، بالاضافة الى مصرف لبنان والمصارف، الى جانب من استفاد من الفوائد الخيالية والهندسات المالية».
\nولفت في مداخلته الى «ان للمودعين حقوقا نرفض رفضا قاطعا التفريط فيها»، مشيرا الى «اننا نناقش من اجل الخروج بنتائج وليس من اجل الهروب تحت المزايدات»، مشددا على الاطلاع على خطة التعافي.
\nوبعد الجلسة، اكد الفرزلي انه «لا يجوز تحت اي ظرف ان يكون هناك كابيتال كونترول دون خطة تعاف تحدد كيفية توزيع الخسائر»، لافتا الى «ان هناك تسريبا لاقتراح الحكومة في ما يخص خطة التعافي لا نقبله «، وليعلم جميع المؤسسات المالية انه لا يمكن ان نتفاوض على حقوق المودعين».
\nوطالب الحكومة بارسال خطتها «لنعرف على اي اساس نناقش». ووصف ما سرب من الخطة بأنه يتضمن «محاولة بلع لحقوق المودعين». وقال «اتخذنا خلال الاجتماع انه نريد توضيحا من الحكومة حول قصة خطة التعافي لنناقش الامور بصورة سليمة».
\nولفت الى ان الرئيس بري «لم يكن يقبل في اي مرحلة درس مشروع الكابيتال كونترول قبل ابلاغه الكمية التي ستعطى للمودعين. وليعلم المجتمع الدولي اولا والحكومة ثانيا انه لا يمكن ان نفاوض على حقوق المودعين».
\nمحمد بلوط - الديار



