مقالات

بات الحديث عن القطار في بيروت حالة نوستاليجا لا أكثر، فيما بقايا المحطات والسكك المقطورات، منثورة للصدأ والإهمال. كما أن أحوال البلاد لم تعد تحتمل بكاءً إضافياً على خط القطار الحيوي الذي انطلق عام 1895. أما وعود إحياء خط السكة الحديد، فتكذّبها المشاريع المتراكمة في أدراج وزارة الأشغال ومجلس الإنماء والإعمار. على أن التجربة السلبية، لا تعني بطلان الحاجة الفعلية للخط القادر على سدّ فجوة اقتصادية كبيرة، يحتاجها لبنان في ظروفه الحالية.
\nمخططات كثيرة
في منتصف التسعينيات، توقّف العمل بقطاع السكة الحديد نهائياً، لكن الوعود باستنهاضه استمرّت. بل عملت أكثر من حكومة وأكثر من وزير أشغال على وضع مخططات توجيهية ودراسات وكشوفات على مواقع مرور خط السكة الأساسي، ليتبيّن أن إعادة الإحياء ممكنة ويمكن إزالة التعديات على السكة وحرمها. على أن أي خطوة عملية لم تُتَّخَذ حتى الآن.
\nواتّجه وزير الأشغال العامة علي حمية نحو تركيا في مطلع شباط الجاري، وبحث مع نظيره التركي مشروع إحياء سكة الحديد، في حال رغبت تركيا بالاستثمار في المشروع. وبعد نحو أسبوعين، حصل حمية على تأكيد حول "استعداد الحكومة الإسبانية لتمويل المخطط التوجيهي لسكك الحديد في لبنان، والذي يبلغ طوله 407 كيلومترات، على كامل الأراضي اللبنانية". على أن تضع شركة إسبانية مخططاً توجيهياً للمشروع.
\nهذا المخطط ليس يتيماً، وإنما في أدراج وزارة الأشغال الكثير من المخططات التي قفز حمية فوقها. فعلى الأقل، في العام 2014، وضعت شركة إجيس EGISS الفرنسية دراسة الجدوى لخط سكة الحديد. وفي العام 2020 أبدت شركة CMCE الصينية، رغبتها في استثمار مشروع سكة الحديد بين بيروت وطرابلس، إضافة إلى أي خط آخر تريده الدولة اللبنانية. وليس الأجانب مَن يملكون الخبرة الكافية لوضع دراسات حول المشروع، بل هناك دراسات من مهندسين لبنانيين، وصلت إلى مجلس الإنماء والإعمار، وتجاهلها.
\nنحو العمق العربي
\nيحمل خط السكة الحديد لبنان نحو العمق العربي، ويُخرج العمق العربي في اتجاه أوروبا مروراً بلبنان، فتتكامل مصلحة الطرفين باستحداث سكة الحديد. فلبنان سيوفّر كلفة نقل بضائعه التي تتم اليوم بواسطة الشاحنات، كما يوفّر الوقت، مما يضمن جودة البضائع، بحيث يصبح بالإمكان قطف الحمضيات لتكون في الخليج بعد بضع ساعات، وكذلك الخليج يمكنه إيصال بضائعه إلى لبنان بواسطة السكّة عينها، لتتجه البضائع بحراً نحو أوروبا، عوض مرورها اليوم بحراً فقط في اتجاه قناة السويس ثم عبور المتوسط.
ترتيب الخط العربي، إن صحّ الوصف، يخطف الأضواء من مرفأ حيفا الذي استفاد من المتغيّرات السياسية والأمنية في المنطقة، ومنها تفجير مرفأ بيروت. فيمكِّن خط السكة الحديد بيروت من استعادة دورها وتوسيعه، فضلاً عن انعكاس السكة على دور مرفأ طرابلس أيضاً، الأقرب نحو تركيا.
\nتطوير دور طرابلس وبيروت وتكامله مع المصلحة العربية، يفتح المجال حتماً لتطوير شبكة القطار داخلياً، نحو باقي المناطق ومنها صيدا وصور، حيث التعديات على أملاك سكة الحديد قليلة نسبياً ويمكن إزالتها.
\nمافيا قطاع النقل
\nليس خافياً على أحد قوة "لوبي" المحروقات وقطاع النقل البري. هذا اللوبي وقف سابقاً ضد إحياء سكة الحديد وضد تطوير قطاع النقل البري، ليكون لدى الدولة أسطول باصات كبير قادر على ربط المناطق بشبكة نقل عام واسعة. فحاربوا قطاع النقل العام لصالح بناء قطاع نقل خاص زبائني، تسيطر عليه جهات تابعة لأحزاب السلطة، التي سلكت بدورها منذ مطلع التسعينيات طريق بناء الأوتوسترادات والجسور وطيّ صفحة القطارات، لأنها لا تؤمّن ما تؤمّنه المشاريع الأولى من سمسرات وتعهّدات مستمرة. ضاربين عرض الحائط الأهمية الاقتصادية التي توفّرها شبكة القطارات الداخلية، أقله من حيث تقليص الوقت الذي يعطي أفضلية لناحية السعر وتوفير السلع ونقل الركاب وخفض كلفة الإنتاج التي تقوم في جزء منها على عامل احتساب الوقت وأسعار المحروقات. فضلاً عن أن القطار يخفّض كلفة النقل المحتسبة لدى الأفراد والأسر، من أصل مجمل الرواتب والأجور.
\nحتى اللحظة لا جديد سوى المزيد من المخططات التوجيهية ووعود التنفيذ. والمخطط التوجيهي هو المرحلة النظرية الأولى في أي مشروع، يليها المخطط التفصيلي قبل الوصول إلى الخطوط الأساسية للتنفيذ، وهي مستبعدة حالياً لأن لبنان غير قادر على تحمّل التكاليف، فيما المستثمرون الأجانب يخافون من المخاطر المرتفعة للاستثمار في ظل الظروف الراهنة. فلا يبقى أمام لبنان سوى القروض أو الهبات، وهي مستبعدة أيضاً لأنها تنتظر التفاوض مع صندوق النقد الدولي.
\nخضر حسان - المدن



