ثقافة ومجتمع

قد يبدو السؤال صادمًا أو حتى “محرّمًا” في نظر البعض: هل يمكن لامرأة أن تحبّ رجلين في الوقت ذاته؟
لكن الواقع الإنساني أكثر تعقيدًا من أن يُختصر في إجابة “نعم” أو “لا”.
فالحب ليس معادلة رياضية، ولا شعورًا يمكن التحكّم فيه بسهولة. إنه تجربة نفسية وبيولوجية وروحية متشابكة، تجمع بين الانجذاب، والعاطفة، والاحتياج، والذاكرة — وكلها قد تتوجّه نحو أكثر من شخص في ظروف معيّنة.
تقول الباحثة هيلين فيشر، عالمة الأنثروبولوجيا في جامعة روتجرز، إن الدماغ البشري يملك أنظمة عاطفية مختلفة للحب والرغبة والتعلّق.
فقد تشعر المرأة بانجذاب جسدي لرجل، بينما تحتفظ بروابط عاطفية عميقة مع آخر.
وتضيف فيشر:

“من الممكن أن يقع الإنسان في حب شخصين لأن نظام الرغبة ونظام التعلّق العاطفي يعملان في مسارين منفصلين في الدماغ.”
وهذا ما يفسّر كيف يمكن لامرأة أن تشعر بالراحة والحنان مع شريكها، لكنها تجد في آخر شرارة جديدة من الإعجاب أو الفضول أو الشغف.
من الناحية النفسية، تشير الدراسات إلى أن المرأة تميل إلى الارتباط العاطفي بالشخص الذي يمنحها الأمان والاستقرار، لكنها في الوقت نفسه قد تنجذب إلى الرجل الذي يُثير فضولها ويُشعل بداخلها الحماس.
وفقًا لبحث نُشر في مجلة Psychology Today، كثير من النساء يختبرن نوعًا من “الانقسام العاطفي” بين رجلين مختلفين في الصفات:
وهذا الانقسام لا يعني بالضرورة خيانة أو ضعفًا، بل هو تعبير عن احتياجات إنسانية مختلفة قد لا تتوفر في شخص واحد دائمًا.
في علم النفس، يُطلق على هذه الحالة اسم “التنازع العاطفي الثنائي”، وهو عندما يشعر الفرد بولاء عاطفي نحو شريكٍ، مع انجذاب عاطفي أو جسدي نحو آخر.
وتُظهر دراسة أجرتها جامعة تورونتو عام 2021 أن هذا الصراع يمر بثلاث مراحل:
وتحذّر الدراسة من أن كتمان هذه الصراعات لفترة طويلة يؤدي إلى ضغط نفسي عالٍ وفقدان التوازن العاطفي.
من الخطأ أن نعتبر الحب المزدوج “خيانة” بالضرورة.
في كثير من الحالات، تكون المرأة لا تزال تحبّ شريكها الأول، لكنها تشعر أن العلاقة فقدت شيئًا من الإشباع العاطفي أو الحميمي.
وهنا يأتي الآخر ليملأ هذا الفراغ دون وعي منها.
الكاتبة النفسية إستير بيريل تقول في كتابها الشهير “The State of Affairs”:
“الخيانة ليست دائمًا بحثًا عن شخص آخر، بل بحثًا عن الذات التي فقدناها داخل العلاقة.”
أي أن المرأة التي تنجذب لرجل آخر لا تبحث بالضرورة عن “بديل”، بل عن نسخة مختلفة من نفسها كانت غائبة منذ زمن.
من الناحية الواقعية، من الصعب أن يستمر حبّ حقيقي نحو شخصين في وقتٍ واحد دون ألم أو تضحية.
فالدماغ قد يستطيع تقسيم العاطفة، لكن القلب لا يحتمل ازدواجية طويلة.
تقول دراسة من جامعة أكسفورد إن الحب المتعمّق يُنشّط مناطق في الدماغ تُفرز هرمون “الأوكسيتوسين”، المسؤول عن التعلّق، وهذا الهرمون لا يمكن أن يتوجّه بقوة إلى شخصين في اللحظة نفسها — تمامًا كما لا يمكن للعينين أن تركزا على نقطتين متباعدتين في آنٍ واحد.
لكن بعض الخبراء يشيرون إلى أن هذا النوع من المشاعر يمكن أن يكون فرصة لفهم الذات بشكل أعمق — لمعرفة ما الذي ينقص العلاقة الحالية، وما الذي تبحث عنه المرأة فعلاً في الحب.
عزيزتي القارئة،
الحب ليس عيبًا، لكن الصدق مع نفسك هو ما يصنع النضج.
قد تمرّين بمرحلة تتشابك فيها المشاعر، وتشعرين أنك ممزّقة بين قلبين. لا تُجلدي نفسك، فالقلب كالبحر، تتلاقى فيه أمواج متعددة، لكنه في النهاية يعرف وجهته.
حاولي أن تسألي نفسك بصدق:
هل أنا أبحث عن شغفٍ ضائع؟ أم عن أمانٍ مفقود؟
وحين تجيبين بوضوح، سيتخذ قلبك القرار الصحيح دون ألمٍ إضافي.
تذكّري أن الحب لا يُقاس بعدد الأشخاص الذين طرقوا بابك، بل بذلك الشخص الذي شعرتِ معه أنكِ كاملة دون نقصان.



