ثقافة ومجتمع
تحطم فاتن العلي بمطرقة قطعا صغيرة من الفسيفساء لتصنع منها عملا فنيا جديدا... فبعد خمس سنوات على وصولها إلى فرنسا، تقترب هذه السورية أخيرا من تحقيق حلمها باستعادة مسيرتها كفنانة.

وتقول العلي البالغة 48 عاما والمتحدرة من دمشق في محترف باريسي تابع لجمعية "فابريك نوماد" التي تساعد الفنانين المهاجرين على تفعيل أنشطتهم "أسترجع حياتي السابقة. العمل ليس فقط من أجل المال، هو شيء حميم. الفن بدمي ولا أرى نفسي أفعل أي شيء آخر".
\nوقد عملت هذه الفنانة العصامية المتخصصة في تشكيل الفسيفساء لسنوات طويلة في تلوين الزجاجيات وصهر الزجاج والخزف قبل أن تدفعها الحرب السورية إلى مغادرة بلادها سنة 2011. وهي اضطرت للانتظار أربع سنوات في مصر قبل التمكن من الالتحاق بزوجها في باريس.
\nوتقول "لقد عانيت كثيرا من أجل استئناف عملي وتعلم اللغة الفرنسية... لكني الآن أتعلم أمورا جديدة وأتعرف على أذواق الفرنسيين. الأمل يعود مجددا". وتستقبل المنظمة حوالى اثني عشر مهاجرا من مشارب مختلفة يبحثون، على غرار فاتن، عن رافعة لهم إلى سوق العمل.
\nوهم يواجهون جميعا العوائق عينها: اللغة وعدم الدراية بسوق العمل ونقص التقدير للخبرة المهنية في البلد الأصلي وخصوصا التوجيه إلى قطاعات مثل البناء والمطاعم والفنادق، وفق مؤسِسة "فابريك نوماد" إيناس مسمار.
\nوتوضح مسمار أن المؤسسة تطمح إلى "تسليط الضوء على كفاءاتهم والسماح لهم بالاندماج بفضل معارفهم".
\nوتفاخر "فابريك نوماد" بأنها حققت في خلال خمس سنوات هدفها بالدمج المهني للمنضوين فيها بنسبة 76 %، بما يشمل 56 % في المهن الفنية.
\nوتثير هذه الأرقام حماسة خاصة لأن الدمج لا يزال يتطلب "بذل جهود كثيرة"، وفق تقرير برلماني عن الموضوع صدر في أيلول الماضي، كما أن الأشغال الحرفية "تواجه حالات نقص كبيرة، مع مهن لم تعد متوارثة في فرنسا"، بحسب إيناس مسمار.
\nويأتي التزامها من تجربة شخصية: ففي 2015، في أوج أزمة تدفق المهاجرين إلى أوروبا، اكتشفت مسمار المتخصصة في علم الاثنيات أن والدتها كانت تعمل في التطريز في تونس العاصمة قبل ترك المهنة عقب الهجرة إلى فرنسا.
وتوضح صاحبة المبادرة "لقد أدركت حجم الخسارة المتأتية من اضرار هؤلاء الأشخاص لتناسي من هم من أجل كسب لقمة عيشهم".
\nوتحظى المبادرة خصوصا بدعم من عملاق المنتجات الفاخرة "ال في ام اتش". هذه المجموعة العملاقة تدغدغ أحلام هيمانتا كورانغاماجي، الصائغ السريلانكي البالغ خمسين عاما.
\nوهو حاول المستحيل للعودة إلى الحب الأول منذ وصوله إلى فرنسا في أيلول 2016، لكن من دون جدوى. ويقول الصائغ الذي تعلم المهنة من عمه في كولومبو حيث عمل لحوالي ربع قرن "كل الشركات كانت تطلب مني شهادة فرنسية". واضطر بسبب ذلك للعمل في قطاع الأغذية وتحديدا في تحضير البيتزا لثلاث سنوات.
\nويقول هيمانتا خلال صوغه خاتما "أحب مهنة الصائغ، وهذا ما أعرف فعله"، مشيرا إلى أن العودة لمزاولة المهنة "ستتيح لي عيش حياة أفضل وكسب أموال أكثر، وهي طريقة للاندماج بصورة أفضل من خلال النظر إليّ على أني مهني حقيقي".
\nوهو يقترب من هدفه، بحسب الصائغ في دار "شوميه" العريقة نيكولا تابو الذي يمضي ساعات عدة أسبوعيا لمدة ستة أشهر لمرافقة هيمانتا ومواطنه بيراغاما سامان الذي قضى ثلاثين عاما من سنوات عمره الـ45 في العمل بالمجوهرات.
\nويقول تابو "هما يعرفان المهنة أصلا. أنا أحاول تعريفهما بطرق جديدة لممارستها مع لمسات فرنسية وباريسية لصنع المجوهرات الفاخرة"، بهدف "تكييف تقنياتهما" مع السوق الفرنسية.
\nويبدي المدرّب الفرنسي قناعة بأن للشركات مصلحة في توظيف هذا النوع من الأشخاص الذين يمكنهم "تقديم تقنياتهم وثقافاتهم الخاصة".
\nأما لأحمد لي السنغالي البالغ 35 عاما فالمعادلة مختلفة، إذ إن قطاع صناعة النسيج يفتقر لليد العاملة، وحتى قبل الالتحاق بالمبادرة، بدأ الخياط التعامل مع مصممة أزياء باريسية متخصصة في النسيج الإفريقي.
\nوهو يقول "أريد خصوصا تكوين معارف جديدة. إذا ما كان الناس سعداء بما أقدمه، ربما قد أصنع لنفسي مكانة حقيقية".



