ثقافة ومجتمع

في زمن التحولات الرقمية المتسارعة، لم يعد الحب كما عرفته الأجيال السابقة. فبدلاً من اللقاءات العفوية في الجامعة أو مكان العمل أو الأحياء السكنية، باتت العلاقات العاطفية تنشأ من خلال الشاشات، فيما يعرف اليوم بـ"العاطفة الرقمية". ملايين الأشخاص حول العالم يدخلون في علاقات تبدأ وتنمو وأحيانًا تنتهي عبر تطبيقات المواعدة مثل "تيندر" و"بامبل" و"إنستغرام"، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه العلاقات ومصداقيتها.

العاطفة الرقمية تُشير إلى العلاقات التي تُبنى بشكل أساسي عبر الإنترنت، سواء من خلال تطبيقات التعارف أو وسائل التواصل الاجتماعي. بعض هذه العلاقات تبقى افتراضية بالكامل، بينما يتحول بعضها الآخر إلى علاقات واقعية بعد اللقاء المباشر. كما تُعد خيارًا شائعًا بين المغتربين أو العاملين في الخارج ممن يصعب عليهم بناء علاقات تقليدية.
تشير الإحصاءات إلى تنامي هذه الظاهرة عالميًا. ففي الولايات المتحدة، أفاد تقرير لمركز "بيو" للأبحاث عام 2022 أن ثلاثة من كل عشرة بالغين جربوا استخدام تطبيقات المواعدة. أما في أوروبا، فتكشف بيانات موقع "ستاتيستا" أن أكثر من 350 مليون شخص يستخدمون هذه التطبيقات شهريًا. وفي العالم العربي، ورغم الحساسيات الاجتماعية والدينية، تُظهر تقارير غير رسمية أن نحو 18% من الشباب خاضوا تجربة التعارف الرقمي، بينما أشار تقرير صادر عن "ماتش" لعام 2023 إلى أن 17% من الزيجات الحديثة في أمريكا بدأت عبر هذه المنصات.
من الناحية النفسية، يُعزى الانجذاب لهذا النوع من العلاقات إلى عوامل عدة، منها سهولة الاستخدام وسرعة الوصول إلى عدد كبير من الأشخاص، إضافة إلى شعور بعض المستخدمين براحة أكبر في التعبير عبر الكتابة مقارنة بالتواصل المباشر. كما توفر هذه التطبيقات وسيلة للهروب من الوحدة، وتمكن المستخدمين من التحكم في الصورة التي يقدمونها عن أنفسهم. وترى الأخصائية النفسية مارينا خليل أن "العاطفة الرقمية تمنح شعورًا بالحميمية الفورية، لكنه غالبًا ما يبقى سطحيًا ما لم يتعزز بلقاءات حقيقية ومشاعر متبادلة."
ويُلاحظ تباين في التعاطي مع هذه الظاهرة بين الغرب والعالم العربي. ففي حين أصبحت تطبيقات المواعدة جزءًا من النمط اليومي للحياة في الغرب، لا تزال في العالم العربي تُستخدم بتحفظ، وغالبًا في الخفاء. إلا أن تجارب ناجحة بدأت تظهر في بعض الدول مثل الخليج ولبنان ومصر، ما يشير إلى تحوّل تدريجي في النظرة المجتمعية.
ورغم الإيجابيات التي تتيحها هذه التطبيقات، مثل توسيع دائرة التعارف وإتاحة الفرصة لمن يعانون من الخجل الاجتماعي، إلا أن لها جوانب سلبية تشمل احتمالات التعرض للخداع، وغياب العمق في كثير من العلاقات، إضافة إلى خطر الإدمان على التواصل الافتراضي.
وفي سبيل الحفاظ على علاقة رقمية صحية، ينصح المختصون بالوضوح منذ البداية، وتحديد الهدف من العلاقة، والحرص على الانتقال إلى اللقاء الواقعي بأسرع وقت ممكن، إلى جانب وضع حدود واضحة للتواصل الرقمي، خاصة فيما يتعلق بالخصوصية.
العاطفة الرقمية بلا شك أعادت تشكيل مفهوم الحب في العصر الحديث، لكنها في الوقت ذاته تطرح تحديات جديدة، أهمها القدرة على تحويل هذا الارتباط الافتراضي إلى علاقة حقيقية نابضة بالحياة خارج الشاشات.



