العالم

كثر في الأيام الأخيرة الحديث عن احتمال لجوء الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استخدام القنابل النووية التكتيكية لتدمير مدن الصواريخ الإيرانية.
وصرح وزير الخارجية الأوكراني السابق، بافلو كليمكن، بأن الولايات المتحدة قد تضطر لاستخدام أسلحة نووية منخفضة القوة لتدمير كامل ترسانة الصواريخ الإيرانية. وأشار كليمكن في مقابلة إذاعية إلى أن الأهداف التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحرب ضد إيران لم تتحقق إلا بنسبة "محدودة للغاية".
وأوضح الوزير السابق أن التقديرات الحالية تشير إلى تدمير حوالي ثلث المخزون الصاروخي الإيراني فقط حتى الآن. ويعود السبب في ذلك إلى لجوء إيران لإخفاء صواريخها في ملاجئ محصنة تحت صخور "البازلت والجرانيت" على أعماق تتراوح بين 300 و400 متر.
تحصينات إيرانية تتحدى القنابل التقليدية
أكد كليمكن أن القنابل التقليدية التي استخدمها ترامب لضرب منشأة "فوردو" النووية لا يمكنها الوصول إلى تلك الأعماق السحيقة. واعتبر أن الخيار الوحيد الفعال هو اللجوء للأسلحة النووية التكتيكية، وهو ما وصفه بأنه "تغيير شامل لقواعد اللعبة" وقفزة خطيرة في مسار انتشار الأسلحة الفتاكة.
ما الفرق بين الأسلحة النووية التكتيكية والأسلحة النووية الاستراتيجية؟
تصمم الأسلحة النووية التكتيكية، أو ما يسمى أيضاً الأسلحة النووية غير الاستراتيجية، عموماً للاستخدام في ساحات المعارك، ومداها يعد أقصر من مدى الأسلحة النووية الاستراتيجية، أو بعيدة المدى، المصممة لمهاجمة أراضي الخصم مباشرة.
عادة ما تكون للأسلحة النووية التكتيكية قوة تفجيرية أقل من الأسلحة الاستراتيجية، أي إنها أقل قوة تفجيرية، وهذا ما قد يجعلها أكثر فائدة عسكرياً، وأقل إثارة للاعتراض السياسي. مع ذلك، فإن عدداً من الأسلحة التكتيكية الروسية والأميركية تفوق قوتها التفجيرية بكثير القنبلة التي ألقيت على هيروشيما خلال الحرب العالمية الثانية، والتي أودت بحياة أكثر من 70 ألف شخص على الفور.
وفي حين أن الأنظمة النووية بعيدة ومتوسطة المدى قد خضعت لقيود أو استبعدت بموجب معاهدات الحد من التسلح، فإن الأسلحة النووية التكتيكية لم تخضع قط لحدود مثبتة. وخلال الحرب الباردة، راكمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي أعداداً هائلة من هذه الأسلحة في ترساناتهما، ونشرا كثيراً منها في أوروبا. أما اليوم، فالمخزونات أصغر حجماً، لكنها لا تزال قادرة على إحداث دمار هائل.
ما الأسلحة النووية التكتيكية التي تمتلكها الولايات المتحدة وروسيا؟
تمتلك الولايات المتحدة نحو 200 قنبلة نووية تكتيكية تعمل بالجاذبية، تراوح قوتها التفجيرية بين 0.3 و170 كيلوطن (بلغت قوة قنبلة هيروشيما 15 كيلوطناً). وتنشر وزارة الحرب الأميركية نحو 100 قنبلة من هذا النوع، تعرف باسم "بي 61"، في خمس دول أوروبية، وهي إيطاليا وألمانيا وتركيا وبلجيكا وهولندا.
في المقابل، تمتلك روسيا ما يقارب 2000 سلاح نووي تكتيكي، تتفاوت قوتها التفجيرية بصورة كبيرة، من منخفضة جداً إلى أكثر من 100 كيلوطن. ويمكن إطلاق هذه الأسلحة جواً وبحراً وبراً، وبعضها قادر على حمل أسلحة تقليدية.
آثار انفجارات الأسلحة النووية التكتيكية
على رغم أن عدداً من مبررات استخدام الأسلحة النووية التكتيكية تعتمد على مفهوم الانفجارات الأصغر نسبياً أو التطبيقات العسكرية المفترضة لهذه الأنظمة، فإن الاعتماد على مصطلحات تقلل من شأن الدمار الهائل الذي يمكن أن تحدثه هذه الأسلحة ينذر بثقة زائفة بإمكان استخدامها بنتائج محلية أو متحكم بها. لذا، من المهم توضيح نطاق آثار هذه الأسلحة الواسع في الخطاب العام، واستخلاص التداعيات السياسية ذات الصلة.
ولا بد من الإشارة إلى أن جميع أسلحة الانشطار أو الاندماج النووي تنتج أنواعاً متشابهة من الآثار، والتأثيرات النهائية لأي انفجار نووي تعتمد على قوة الرأس الحربي نفسه والبيئة المادية التي يستخدم فيها. ويفترض منطقياً بأن قوة السلاح النووي المستخدم في ضربة تكتيكية أن تقل عن 20 كيلوطناً، وكما هي الحال مع جميع الانفجارات النووية، تنبع الآثار التدميرية المباشرة للسلاح النووي التكتيكي بصورة أساسية من موجة الانفجار (الضغط) والإشعاع الحراري (الحرارة) والإشعاع المؤين. وبصورة عامة، يتشابه وجود هذه الآثار وخصائصها بغض النظر عن قوة الانفجار، ولكن مدى تأثيرها يتحدد إلى حد كبير بقوة الانفجار ونوعه وتضاريس المنطقة المستهدفة وخصائصها وارتفاع الانفجار، إضافة إلى الأحوال الجوية.
أول تأثير فوري لأي انفجار نووي هو الوميض الساطع للانفجار أي كرة اللهب. وخلال الثواني القليلة التالية، ترفع الطاقة المنتقلة إلى البيئة المحيطة درجات الحرارة إلى 3000 درجة مئوية قرب مركز الانفجار، مما يؤدي إلى تبخير بعض المواد واشتعال أخرى. وفي أول 1500 متر محيطة بكرة لهب نووية قوتها 20 كيلوطناً، تكفي هذه الطاقة الحرارية الهائلة لإشعال حرائق خاطفة في المباني والمعدات، والتسبب بحروق من الدرجتين الثالثة والرابعة لأي شخص معرض لها. أما من هم أقرب إلى الحافة الخارجية لهذه المنطقة، فيعانون آثاراً حرارية شديدة، تشمل الحرائق والحروق والعمى.
تؤدي الحرارة الشديدة المنبعثة من كرة اللهب إلى تدرج ضغط جوي هائل، أو ما يعرف بموجة الانفجار. تنتقل هذه الموجة بسرعة تفوق سرعة الصوت مبتعدة عن كرة اللهب، وتضعف بفعل الغلاف الجوي مع مرور الوقت، مولدة ضغطاً زائداً يصل إلى 1370 كيلوباسكال قرب مركز الانفجار، لينخفض إلى 137 كيلوباسكال على امتداد 800 متر. حتى على هذه المسافة، لا تستطيع المباني التقليدية تحمل هذه الصدمة المفاجئة حيث تصل سرعة الرياح في بعض الأماكن إلى أكثر من 1000 كيلومتر في الساعة، فتنهار أو تصاب بأضرار جسيمة. كما لا توفر الملاجئ الخرسانية فوق سطح الأرض، وبعض المنشآت المحصنة تحت الأرض، حماية كافية ضد هذا الضغط، حتى بالنسبة إلى من نجوا من موجة الحرارة.
وإذا كان الهدف من الضربة استهداف منشآت تحت الأرض شديدة التحصين مثل صوامع الصواريخ، ففي هذه الحالة، ستجرف مواد مثل التربة وغيرها من الحطام من الأرض إلى كرة اللهب النووية، حيث ستختلط بالمواد النووية المنبعثة أثناء الانفجار. وستعود هذه الجسيمات الملوثة إلى السطح في صورة تساقط إشعاعي، وتنتشر بعيداً من مركز الانفجار بمرور الوقت، مُشكّلةً خطراً جسيماً لعدة عدة بعد الانفجار نفسه.
وسيعتمد تأثير هذا التلوث بصورة كبيرة على مكان سقوط السلاح النووي التكتيكي. ففي المناطق الحضرية، قد يشكل التساقط الإشعاعي خطراً إشعاعياً مباشراً على البشر والحيوانات، مما يستدعي توفير المأوى أو عمليات الإخلاء حتى يتلاشى التلوث إلى مستويات آمنة أو حتى يمكن إزالته. أما في المناطق الريفية، فقد تؤثر المنطقة المتضررة على أراضٍ زراعية مهمة أو بنية تحتية رئيسة للنقل، مما يستلزم إجراء قياسات ميدانية متكررة ومفصلة لتمكين السلطات من تقديم التوجيه المناسب للسكان والعمال.