العالم

تعيش غانا حالة من حمى الذهب، وسط انتشار اقتصاد غير رسمي واسع للمعادن الثمينة، ما تسبب في تدمير البيئة وتلوث التربة والمياه والمزارع، لينتهي هذا المعدن الأصفر في سلاسل توريد شركات عالمية كبرى مثل "ستاربكس"، "أمازون"، "تيسلا"، و"زيروكس".
وحسب شركة أوكسفورد بيزنس جروب المتخصصة في استخبارات الأعمال، عمل نحو مليون غاني في التعدين الحرفي عام 2021، بينما اعتمد نحو 4.5 مليون آخرون على أنشطة متصلة بهذه الصناعة، مقارنةً بما لا يزيد عن 12 ألف موظف لدى شركات التعدين الكبرى، في بلد يبلغ عدد سكانه 34 مليون نسمة، ما يضع ضغطًا كبيرًا على الميزان الوطني.
تعتبر غانا أكبر منتج للذهب في أفريقيا وسادس أكبر منتج عالميًا، ويشكل الذهب جزءًا حيويًا من صادراتها، إذ بلغت حصته 57% من الصادرات عام 2024، بقيمة نحو 10 مليارات يورو. لكن هذا الرقم الرسمي يمثل جزءًا صغيرًا مقارنة بالحجم الفعلي للتجارة، حيث يُعتقد أن حوالي 229 طنًا من الذهب غادرت البلاد بشكل غير قانوني بين 2019 و2023.
ويشير تحقيق منظمة "قصص محظورة" إلى أن الذهب الغاني غير القابل للتعقب غالبًا ما ينتهي في سلاسل توريد الشركات العالمية الكبرى، ما يسلط الضوء على ثغرات واسعة في الرقابة.

على الرغم من محاولات غانا لاستغلال هذه الثروة، يظل الذهب الإفريقي محاطًا بنمو المناجم غير القانونية الذي يترك آثارًا مدمرة، من أراضٍ ملوثة إلى محميات طبيعية استولت عليها جماعات مسلحة، بالإضافة إلى تسميم الأنهار.
ويقر مسؤول محلي بأن نشاط المناجم غير القانونية يتم التغاضي عنه جزئيًا لأنه يولد إيرادات تقدر بنحو 140 ألف يورو سنويًا للبلديات، من خلال ضريبة تُفرض على حوالي 500 حفّار. ومع ذلك، التلوث البيئي صار أمرًا مثيرًا للقلق، إذ تصل مستويات الزئبق والزرنيخ والرصاص إلى معدلات خطيرة، نتيجة استخدام العمال لهذه المواد لفصل الذهب عن الرواسب.
وتحذر دراسة وكالة حماية البيئة في غانا من أن مستويات الزرنيخ تجاوزت 43 ضعف المستوى الطبيعي، ويستخدم ما يقرب من 70% من القرويين مياهًا ملوثة، مما يسبب مشاكل صحية على مستوى الكلى والجهاز التنفسي.
وفق التحقيق ذاته، فإن الذهب المصنّع حرفيًا، والذي غالبًا ما يكون غير قانوني، لا يُلحق الضرر بالبيئة فحسب، بل يدخل أيضًا سلاسل توريد الشركات الدولية الكبرى، عبر مصفاة "غولد كوست" الواقعة بجوار مطار أكرا.
وتعد هذه المصفاة ثاني أكبر مصفاة في إفريقيا، وتعتمد بشكل كبير على الذهب غير القانوني، رغم ادعاء مالكها سعيه لبناء سلسلة توريد "مسؤولة وقابلة للتتبع". ويُظهر الذهب الغاني المصنّع في إعلانات الامتثال لشركات مثل "أمازون" و"تيسلا" و"ستاربكس" و"زيروكس"، حيث يُستخدم في المعالجات الإلكترونية، لوحات الدوائر، آلات القهوة، السيارات، والطابعات.
هذا الوضع يضع العلامات التجارية الأمريكية في تناقض محتمل مع التزاماتها بحقوق الإنسان وحماية البيئة. وقد أبدت الشركات ردودًا متفاوتة؛ حيث أعلنت "أمازون" عن تحقيق داخلي، و"ستاربكس" و"زيروكس" عن مراجعات لمورديها، بينما لم ترد "تيسلا" على التحقيقات، مؤكدة صعوبة تتبع سلاسل التوريد.
ويرى مارك أوميل، رئيس ملف المواد الخام في منظمة سويس إيد، أن خلط الذهب الشرعي وغير الشرعي أمر راسخ، ويمكن التتبع فعليًا بتكلفة إضافية.
لضمان الإيرادات وحماية المشترين، أطلقت الحكومة الغانية مبادرات عدة، منها حظر الأجانب من تجارة الذهب المحلية، وعمليات أمنية ضد المناجم غير القانونية، وإنشاء هيئة "غولد بود" لشراء الذهب وتصديره. ومع ذلك، اعترف الرئيس جون دراماني ماهاما بأن الهيئة تعاملت مع الذهب القانوني وغير القانوني دون تمييز، موضحًا: "بلدنا هو الذي يُدمر، لذا من الأفضل لنا أن نستفيد منه".
في ضوء هذه التحديات، يبقى السؤال: كيف يمكن لشركات عالمية ومجتمع غانا تحقيق توازن بين الاستفادة الاقتصادية وحماية البيئة وحقوق الإنسان؟.