الذكاء الإصطناعي

تتزايد النقاشات حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصل إلى مستوى الذكاء البشري، أو ربما يتجاوزه، وهل يمثل ذلك تهديداً وجودياً للبشرية. البعض يتخيل هذا التهديد في صورة روبوتات تنقلب ضد صانعيها، كما في رواية "فرانكنشتاين"، بينما يطرح آخرون فكرة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تتولى يوماً ما إدارة شؤون الحكومات والشركات، تحت قناعة أن العالم سيكون أفضل حالاً بدون التدخل البشري.
في وقت تزداد فيه هذه التساؤلات، يطرح الفلاسفة والباحثون سؤالًا جديدًا: هل يمكن لهذه الآلات أن تتطور بحيث تشعر بالملل أو حتى تميل لإيقاع الأذى بمن حولها؟ وفي خطوة غير مسبوقة، عينت شركة "أنثروبيك" للذكاء الاصطناعي في سبتمبر الماضي باحثاً متخصصاً في "رفاهية الذكاء الاصطناعي" لبحث ما إذا كانت هذه الأنظمة الذكية تتجه نحو تطوير شعور بالاستقلالية أو الوعي، وهل يجب أن نأخذ رفاهية هذه الأنظمة في اعتبارنا في المستقبل.
في الأسبوع الماضي، نشرت مجموعة من الباحثين الدوليين تقريرًا يتناول هذا الموضوع، خلصوا فيه إلى أن سرعة التطور التكنولوجي قد تؤدي إلى "احتمالية واقعية" بأن تصبح بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي واعية أو مستقلة بشكل فعال، ما يطرح قضية أخلاقية هامة يجب مراعاتها في المستقبل القريب.
ورغم أن فكرة تطور مشاعر أو أحاسيس لدى الذكاء الاصطناعي قد تبدو غريبة، إلا أنها تكشف عن مفارقة في قلب توجهات الشركات الكبرى نحو تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر تقدمًا وشبهاً بالبشر، في حين أنهم في الوقت ذاته قلقون من أن تصبح هذه الأنظمة متقدمة لدرجة تحاكي الوعي البشري.
هذه المفارقة تنبع من عدم فهمنا الكامل لكيفية نشوء الوعي أو الشعور بالذات في العقول البشرية، مما يجعلنا غير قادرين على التنبؤ بما إذا كان ذلك يمكن أن يحدث في العقول الاصطناعية. وتزداد هذه المخاوف وسط غياب إشراف خارجي فعّال على تطور هذه الأنظمة.
تقرير بعنوان "أخذ رفاهية الذكاء الاصطناعي على محمل الجد"، والذي أعدته شركة "إليوس إيه آي" البحثية، يتناول هذه القضية بشكل موسع. التقرير شارك فيه باحثون مثل ديفيد تشالمرز، الفيلسوف بجامعة نيويورك، وجوناثان بيرش، الأكاديمي في كلية لندن للاقتصاد. كما يثير التقرير أوجه التشابه بين جهلنا التاريخي حول حقوق الحيوانات وحماية رفاهيتها، مشيرًا إلى أن العديد من الحيوانات، مثل السرطانات والكركدن، لم تحظ بحماية قانونية إلا مؤخراً في عام 2022.
ورغم أن التقرير لم يؤكد أن الذكاء الاصطناعي سيصل إلى مرحلة الوعي في القريب العاجل، إلا أنه شدد على "عدم اليقين الكبير" بشأن هذه الإمكانية، محذرًا من أن الحدس البشري قد يكون غير كافٍ لتقييم الموقف بشكل دقيق. وأكد الباحثون ضرورة مراعاة رفاهية الذكاء الاصطناعي وبدء العمل على طرق لفحص ما إذا كانت هذه الأنظمة قد اكتسبت نوعًا من الوعي، على غرار الدراسات التي تدرس وعي الحيوانات.
وقد لقيت هذه المناقشات دعمًا جزئيًا من بعض الأكاديميين التقليديين، مثل أنيل سيث، أستاذ علم الأعصاب المعرفي بجامعة ساسيكس، الذي استبعد أن يكون هناك وعي اصطناعي حقيقي، لكنه أشار إلى أن ذلك ليس مستحيلًا. وأكد أن تداعيات تطوير ذكاء اصطناعي واعٍ ستكون "كارثة أخلاقية"، لأنه سيخلق أشكالًا جديدة من الوعي قد تكون مصحوبة بمعاناة صناعية.
في الواقع، التوجس من إمكانية وصول الذكاء الاصطناعي إلى الوعي لم يعد مجرد فكرة نظرية. ففي عام 2022، أُعفي مهندس من عمله في "غوغل" بعد أن أبدى اعتقاده بأن روبوت الدردشة الخاص بالشركة أظهر علامات على الوعي. كذلك، تسعى "أنثروبيك" إلى تدريب نماذجها اللغوية لتمنحها سمات مثل التفكير والقدرة على التعلم المستقل.
ومع تزايد وجود الآلات من حولنا، بما في ذلك النماذج اللغوية الكبيرة، التي تُصمم لتكون أكثر تشابهًا مع البشر، يبرز خطر الخداع على نطاق واسع من قبل الشركات التي لا تخضع لضوابط رقابية كافية. كما يبرز قلق آخر، يتعلق بقدرتنا كبشر على فقدان اهتمامنا بالأشياء التي تستحق الرعاية، في حال كان الذكاء الاصطناعي محاكاة دقيقة للوعي البشري.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن مستعدون لمواجهة مستقبل قد يشهد ولادة أشكال جديدة من الوعي الاصطناعي، وكيف سنواجه التحديات الأخلاقية المترتبة على ذلك؟
حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية يرجى عدم نسخ ما يزيد عن 20 في المئة من مضمون الخبر مع ذكر اسم موقع Dailybeirut وارفاقه برابط الخبر.
دايلي بيروت



