الذكاء الإصطناعي

في قلب وادي السيليكون، وتحديداً في مدينة سان فرانسيسكو، تتشكّل ملامح ثورة تقنية جديدة لا تركز على تصنيع روبوتات لامعة أو هياكل معدنية متطورة، بل تستهدف ما هو أعمق من ذلك بكثير: منح الآلة «وعياً فيزيائياً» يمكّنها من فهم العالم والتفاعل معه بمرونة تشبه البشر.
شركة «فيزيكال إنتليجنس» (Physical Intelligence)، المعروفة اختصاراً باسم «باي» (Pi)، لا تُعد مجرد شركة ناشئة تقليدية، بل تمثل واحدة من أكثر المحاولات طموحاً لكسر ما يسميه الخبراء «لعنة الروبوتات»، التي أبقت هذه الآلات لعقود حبيسة المهام المحدودة والمبرمجة مسبقاً.
تأسست الشركة عام 2024 على أيدي نخبة من أبرز العقول التي أسهمت في تشكيل مشهد الذكاء الاصطناعي الحديث، قادمين من مؤسسات مثل «غوغل ديب مايند» وجامعتي ستانفورد وبيركلي. ويتولى قيادتها كل من كارول هاوسمان، المدير التنفيذي السابق لقطاع الروبوتات في «غوغل»، وسيرغي ليفين، أحد الأسماء البارزة في تعليم الروبوتات آليات التعلم الذاتي.

هذا الثقل العلمي والتقني جذب استثمارات ضخمة من جهات متنافسة في السوق، إذ شارك مؤسس «أمازون» جيف بيزوس، وشركة «أوبن إيه آي»، وصندوق «كابيتال جي» التابع لـ«ألفابت»، في ضخ أكثر من 1.1 مليار دولار. ونتيجة لذلك، ارتفعت القيمة السوقية للشركة إلى نحو 5.6 مليار دولار مطلع عام 2026.
ترتكز فلسفة «فيزيكال إنتليجنس» على فكرة محورية مفادها أن الجسد أقل أهمية من العقل. فبدلاً من تطوير روبوت مختلف لكل مهمة، ابتكرت الشركة نظاماً يُعرف باسم «باي زيرو» (π0)، وهو أول نموذج أساسي شامل يمكن تشغيله على أنواع متعددة من الروبوتات.
ويعتمد هذا النظام على ذكاء اصطناعي بصري-لغوي-حركي، يتيح للروبوت فهم الأوامر الصوتية، وتحليل المشهد بصرياً، ثم تنفيذ الحركات بدقة عالية. فبمجرد إعطاء أمر بسيط مثل «ضع الملابس المتسخة في الغسالة»، يستطيع الروبوت إدراك المطلوب، التمييز بين الأشياء، والتعامل معها بمرونة تحاكي اللمس البشري.
وقد جرى تدريب النظام على بيانات ضخمة مأخوذة من عدة أنواع من الروبوتات، إضافة إلى ملايين المقاطع المصورة للبشر، ما مكّنه من اكتساب «حس فيزيائي» يجعله يدرك مفاهيم مثل الجاذبية والمرونة والوزن. ونتيجة لذلك، نجح في تنفيذ مهام معقدة كانت تُعد شبه مستحيلة للروبوتات التقليدية، مثل طي الملابس غير المألوفة، أو ترتيب طاولة فوضوية في مطعم.
على عكس المتوقع، لا تخطط «فيزيكال إنتليجنس» لبيع روبوتات خاصة بها، بل تسعى إلى تسويق «العقل» فقط. فالشركة تطمح لأن يصبح نظامها بمثابة «أندرويد» عالم الروبوتات، حيث يمكن لأي مصنع تركيب «باي زيرو» على ذراع آلية أو روبوت بسيط ليكتسب فوراً قدرات متقدمة.
هذا النموذج من شأنه خفض تكاليف الابتكار بشكل كبير، إذ يتيح للمصنّعين التركيز على تطوير العتاد، دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في برمجة الذكاء الاصطناعي.
ورغم التقدم اللافت، لا تزال التحديات قائمة، من أخطاء تشغيلية عرضية إلى كلفة الحوسبة العالية المطلوبة لتشغيل النماذج الضخمة. إلا أن الشركة بدأت بالفعل في طرح نسخة مطوّرة تحمل اسم «باي زيرو فاست» (π0-FAST)، تتميز بسرعة أعلى وتكلفة تشغيل أقل.
ويرى مراقبون أن «فيزيكال إنتليجنس» لا تبني روبوتات بقدر ما تبني البنية العصبية التي ستربط العالم الرقمي بالعالم المادي. وإذا نجحت في تحقيق رؤيتها، فقد يكون العالم على أعتاب عصر جديد، لن يحتاج فيه الإنسان إلى برمجة الروبوتات، بل سيكتفي بإخبارها بما يريد، لتتولى هي فهم قوانين الفيزياء وتنفيذ المهمة بنفسها.



