الذكاء الإصطناعي

مع تزايد انتشار العمل عن بُعد، بدأت تقنيات الذكاء الاصطناعي تدخل تدريجيًا مكان البشر في بيئة العمل، لتتحول مع الوقت إلى ما يشبه "شركاء افتراضيين" في المهام اليومية، من تقديم النصائح والإرشاد المهني إلى جلسات العصف الذهني والمحادثات السريعة. غير أن هذه الطفرة التكنولوجية، ورغم مساهمتها في رفع مستوى الإنتاجية، تحمل في طياتها تأثيرات جانبية تمسّ التواصل البشري وروح الفريق.
ووفقًا لتقرير نشره موقع "أكسيوس"، أشار موظفون في شركة Anthropic، المطوّرة لشات بوت Claude، إلى أن بعضهم بات يفضّل اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي بدل زملاء العمل لطرح الأسئلة والحصول على إجابات فورية. وأوضح التقرير أن هذا السلوك قلّص فرص الإرشاد والتعاون بين الموظفين، ما يثير مخاوف من تراجع الابتكار الناتج عن التفاعل الإنساني المباشر.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على شركات الذكاء الاصطناعي وحدها، بل تمتد إلى معظم المهن المكتبية. فبحسب دراسة أجرتها منصة "Upwork"، قال 64% من الموظفين الذين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي عزز إنتاجيتهم إنهم يفضلون أحيانًا التفاعل مع الشات بوت على زملائهم البشر. ويبرر هؤلاء ذلك بأن الذكاء الاصطناعي يوفّر الوقت، ولا يُصدر أحكامًا، ولا ينخرط في شائعات المكتب، ويقدّم إجابات فورية لأي استفسار.
تحذيرات الخبراء
في المقابل، يحذّر خبراء من مخاطر الاعتماد المفرط على الشات بوت. وتقول كايلي موناهان، مديرة استشارات بيئة العمل، إن هذه العلاقة الأحادية قد تؤدي إلى تلقي "ملاحظات خطرة"، لأن الذكاء الاصطناعي لا يتحدى الأفكار ولا يصححها، ما قد يساهم في تفتت الفرق وزيادة الشعور بالعزلة على المدى الطويل.
وتدعم الأرقام هذه المخاوف، إذ تُظهر بيانات "غالوب" تراجع التفاعل العاطفي للموظفين مع أماكن عملهم منذ عام 2020، بالتوازي مع تصاعد الشعور بالانفصال الاجتماعي والانقسام داخل بيئات العمل وخارجها. ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون بديلاً عن التواصل الإنساني، بل أداة مساعدة له. وتصف إدويغ ساكو من شركة "KPMG" الشات بوت بأنه "مرآة للأفكار" تساعد الموظفين على التحضير لمحادثات حقيقية، مثل تقييم الأداء أو النقاشات المهنية الحساسة.
في المقابل، يشير بعض العاملين إلى ميزة أخرى للتعامل مع الذكاء الاصطناعي، إذ لا يحتاج إلى تنسيق مواعيد، ولا يتأثر بضغوط شخصية، ولا يحكم على الأسئلة البسيطة أو المتأخرة، ما يجعله زميل عمل "خالٍ من الدراما".
ويبقى التحدي الحقيقي في كيفية توظيف تقنيات ذكية تهدف إلى تعزيز الذكاء الجماعي للبشر، دون أن تؤدي في الوقت نفسه إلى زيادة عزلتهم عن بعضهم البعض. فالتوازن بين السرعة والكفاءة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، وبين الروابط الإنسانية التي لا يمكن لأي آلة أن تحل محلها، قد يكون المفتاح للحفاظ على بيئة عمل صحية ومبتكرة.



