تكنولوجيا وعلوم
حوض القمر الأكبر قد يخفي وشاحاً قمرياً قرب موقع هبوط أرتميس
دراسة جديدة تفيد بأن اصطداماً قديماً من الشمال إلى الجنوب قد يكون كشف عن مواد من الوشاح القمري قرب القطب الجنوبي.

قبل أكثر من أربعة مليارات سنة، اصطدم جرم ضخم بالقمر بقوة كافية لحفر ندبة أوسع من مساحة الهند، سابع أكبر دولة في العالم من حيث المساحة. تمتد هذه الندبة، المعروفة بحوض القطب الجنوبي-أيتكين، عبر الجانب البعيد من القمر لمسافة تتراوح بين 2000 و2500 كيلومتر، ولا تزال أكبر حوض اصطدام مؤكد على سطح القمر.
لطالما درس العلماء هذا الحوض لعقود، لاحتمال كشفه عن مواد من أعماق القمر، بما في ذلك أجزاء من الوشاح القمري المخبأة عادة تحت القشرة. لكن لغزاً واحداً ظل قائماً: من أي اتجاه جاء الجسم المصطدم، وأين انتهى كل ذلك المواد المقتلعة؟
في دراسة جديدة نُشرت في مجلة Science Advances، يقدم الباحثون سيناريو يعيد بناء الاصطدام القديم، مرجحين أنه حدث من الشمال إلى الجنوب، مما قد يقلب بعض التفسيرات السابقة رأساً على عقب ويغير القيمة العلمية لمهمات أرتميس المستقبلية التابعة لناسا.
يقول الفريق العلمي إن إعادة البناء هذه، إذا كانت صحيحة، قد تعني أن رواد الفضاء بالقرب من القطب الجنوبي للقمر يمكن أن يهبطوا داخل رواسب قد تحتوي على مواد اقتلعت من أعماق القمر خلال ذلك الاصطدام الهائل. هذا من شأنه أن يمنح العلماء فرصة نادرة لدراسة عينات من الوشاح القمري دون الحاجة إلى الحفر لعدة كيلومترات تحت السطح، وهو أمر طالما تاق إليه علماء الكواكب.
حوض يتحدى التفسير
المشكلة أن شكل الحوض كان دائماً متناقضاً. فشكله الطويل المدبب يشير إلى اتجاه، بينما بعض السمات القشرية تشير إلى اتجاه آخر. الدراسات السابقة فحصت هذه السمات بشكل فردي، لكن العمل الجديد يحاول إعادة إنتاج شكل الحوض، وعدم تناسق قشرته، واتجاه الاصطدام ضمن سيناريو واحد.
واجه العلماء أيضاً صعوبة في تفسير رواسب كيميائية غريبة غنية بالثوريوم والحديد وجدت جنوب غرب الحوض. لحل اللغز، أنشأ الباحثون محاكاة ثلاثية الأبعاد عالية الدقة لاصطدامات كويكبات عملاقة على عالم شبيه بالقمر. اختبروا زوايا اصطدام مختلفة، وسرعات، وأحجاماً، وهياكل داخلية مختلفة للجسم القادم لمعرفة أي توليفة تعيد إنتاج الحوض الحقيقي الذي نراه اليوم بأفضل شكل.
الكويكب الذي أعاد تشكيل القمر
تفصيل رئيسي آخر يتعلق بما إذا كان الجسم المصطدم متمايزاً، أي أنه كان قد انفصل بالفعل إلى طبقات، مع نواة معدنية كثيفة محاطة بمادة خارجية أخف، على غرار الأرض. وجد الفريق أن هذا الهيكل الداخلي كان مهماً جداً. السيناريو الأكثر تطابقاً شمل جسماً متمايزاً عرضه حوالي 260 كيلومتراً يصطدم بالقمر من الشمال إلى الجنوب بزاوية منخفضة تبلغ حوالي 30 درجة.

لم يخترق الكويكب القشرة القمرية بالكامل، بل شوهت نواته الكثيفة السطح بطريقة أنتجت الشكل المدبب غير المعتاد للحوض. أظهرت المحاكاة أن الاصطدام تطور على عدة مراحل: أولاً، قذف الجسم القادم المواد إلى الخارج بسرعة هائلة، محفراً طبقات عميقة من القمر. ثم تداخلت الجاذبية، حيث انهارت الفوهة غير المستقرة إلى الداخل، مما رفع أجزاء من الحوض بشكل غير متساوٍ. الكثير من مواد الوشاح التي قذفت عادت في النهاية وسقطت داخل الحوض نفسه بدلاً من الهروب بعيداً.
اختبر الباحثون أيضاً سرعات اصطدام مختلفة. عندما اصطدم الجسم بسرعة 10 كيلومترات في الثانية، أصبح الحوض الناتج ممدوداً جداً مقارنة بحوض القطب الجنوبي-أيتكين الحقيقي. وعند 16 كيلومتراً في الثانية، أصبحت الفوهة دائرية جداً. النقطة المثلى ظهرت بالقرب من 13 كيلومتراً في الثانية. تحمل هذه السرعة دليلاً مهماً آخر: وفقاً للفريق، ربما نشأ الجسم المصطدم من منطقة المريخ في النظام الشمسي المبكر بدلاً من منطقة الزهرة-الأرض. بعبارة أخرى، ربما كان الجسم الذي أعاد تشكيل القمر لبنة بناء كوكبية متبقية تجولت من الأجزاء الخارجية الصخرية للنظام الشمسي خلال عصر تكوين الكواكب الفوضوي.
أرتميس قد تهبط على حطام قمري عميق
عالجت الدراسة أيضاً أحد أكبر الأسئلة العملية للاستكشاف القمري المستقبلي: أين هبطت مواد الوشاح المقتلعة؟ كشفت المحاكاة عن نمط إلقاء يشبه الفراشة. انتشرت مواد الوشاح حوالي 550 كيلومتراً خلف حافة الحوض في اتجاه الاصطدام وحوالي 650 كيلومتراً عبر الجوانب، بينما لم يُترسب أي شيء تقريباً في الاتجاه المعاكس.
هذه النتيجة مهمة لأن مهمات أرتميس التابعة لناسا تستهدف منطقة القطب الجنوبي للقمر بالقرب من حافة الحوض. في ظل النماذج القديمة التي تفيد باصطدام من الجنوب إلى الشمال، فإن منطقة الهبوط المخطط لها قد تحتوي على القليل من إلقاء الوشاح أو لا تحتوي عليه على الإطلاق. لكن الباحثين يشيرون إلى أنه "إذا كان الاصطدام من الشمال إلى الجنوب هو الذي أنتج حوض القطب الجنوبي-أيتكين، فإن مهمة أرتميس III قد تهبط داخل رواسب الإلقاء التي تحتوي على مواد الوشاح المقتلعة".
إذا تمكن رواد الفضاء في نهاية المطاف من استعادة مواد حاملة للوشاح من حقل إلقاء الحوض، فإن العائد العلمي قد يكون هائلاً. يمكن للباحثين دراسة كيمياء باطن القمر العميق بشكل مباشر، وتحديد وقت حدوث الاصطدام العملاق، وفهم أفضل لكيفية تطور العوالم الصخرية في النظام الشمسي المبكر. من المتوقع أن تكشف العينات التي يتم إرجاعها من هذه المناطق عن عمر الحوض وتكوين الوشاح القمري.
يسلط العمل أيضاً الضوء على كيفية احتفاظ الندوب الكوكبية بسجلات مخفية لأحداث قديمة. توجد أحواض بيضاوية عملاقة مماثلة على المريخ وحتى بلوتو، مما يعني أن نهج النمذجة الجديد يمكن أن يساعد العلماء في إعادة تفسير الاصطدامات عبر النظام الشمسي. ومع ذلك، يعترف المؤلفون بأن محاكياتهم المتقدمة لا تزال غير قادرة على التقاط كل التفاصيل الدقيقة لتشوه القشرة أو حركة الإلقاء. تظل نماذج الكمبيوتر لمثل هذه الاصطدامات الضخمة صعبة من الناحية الحسابية، خاصة عند إعادة بناء أحداث وقعت قبل مليارات السنين. لذلك، قد لا تعتمد المرحلة التالية على المحاكاة وحدها؛ فإذا أعادت مهمات أرتميس المستقبلية عينات من منطقة القطب الجنوبي، يمكن للعلماء اختبار ما إذا كان إلقاء الوشاح الغني المتوقع موجوداً بالفعل.
مقالات ذات صلة

كاميرا Instax Wide 400: لقطات عريضة بلمسة حنين

تحذير مناخي: 2027 قد يكون الأعلى حرارةً بفعل "إل نينيو"

كويكب "معدني" خلّف أكبر ندبة في القمر: محاكاة تكشف أسرار حوض إيتكين


